الجواد الكاظمي

89

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

فِي الأَرْضِ » ( 1 ) قال الشيخ في التبيان : يعنى أنّه تعالى أسكن الماء المنزل من السماء في الأرض وأثبته في العيون والأودية ونحوها من الآيات . وقد صرّح جماعة بأنّ مياه الأرض كلَّها من السماء ، وعلى هذا فيتمّ الاستدلال بها على كون الماء من حيث هو مطهّرا من الأحداث والأخباث ، ولكنّها كالمجملة وتفاصيل أحكامها وما يلحقها من كونها جارية أو راكدة مياه آبار ونحوها ، وما ينجسها وما يزيد حكم نجاستها يعلم من السنّة المطهّرة الواردة عن أصحاب العصمة عليهم السّلام . وقد يستدلّ بها على نجاسة المنيّ بناء على أنّ المراد برجز الشيطان المنىّ الحاصل من الجنابة ، والرجز بمعنى الرجس : أي النجس ، وفيه نظر لأنّ الرجس بمعنى القذر وهو أعمّ من النجاسة نعم النجاسة فيه ثابتة من خارج الآية ، وقد انعقد إجماعنا على النجاسة ، ووافقنا أكثر العامّة ، وخالف الشافعيّ فحكم بطهارة منيّ الإنسان لما روى عن عائشة قالت : كنت أفرك ( 2 ) ثوب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله ثمّ يصلَّى فيه ، وفي الدلالة نظر إذ بعد تسليم الخبر يجوز أن يكون نجسا وإزالته بالفرك ، وتمام البحث يعلم من الفروع ، وفيها أيضا دلالة على إباحة المياه وجواز التصرّف فيها على أيّ وجه كان حتّى يثبت المانع ، ونحو الآية المذكورة في إفادة التطهير بالماء قوله تعالى « وأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً » أي طاهرا في نفسه مطهّرا لغيره مزيلا للأحداث أو الأخباث ، وفي وصفه تعالى الماء بكونه طهورا مطلقا يدلّ على أنّ الطهوريّة صفة أصليّة للماء المطلق ثابتة له قبل الاستعمال بخلاف قولهم نحو ضارب لأنّه إنّما يوصف به بعد ضربه ، والطهور في لغة العرب هو المطهّر لغيره لأنّهم لا يفرّقون بين قول القائل هذا ماء طهور ، وهذا ماء مطهّر ، وأيضا وجدنا العرب تقول : هذا ماء طهور ، وهذا تراب طهور ولا

--> ( 1 ) المؤمنون 18 . ( 2 ) انظر المنتقى بشرح نيل الأوطار ص 65 ج 1 ولهم روايات أخر بألفاظ مختلفة واستنتج الشوكاني في ص 97 بعد نقله الأقوال أن التعبد بالإزالة غسلا أو مسحا أو فركا أو سلتا أو حكا ثابت ، ولا معنى لكون الشيء نجسا إلا أنه مأمور بإزالته بما أحال عليه الشارع قال : فالصواب أن المنى نجس يجوز تطهيره بأحد الأمور الواردة .